عبد الرحمن بدوي
43
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
بسم اللّه الرحمن الرحيم ربّ أعن مسائل فرقليس في الأشياء الطبيعية ، نقلها إسحاق بن حنين المسألة الأولى : قال : ما الدّليل على أن الحرارة والبرودة هما القوتان الفاعلتان ، والرطوبة واليبوسة هما القوتان المفعول بهما ؟ - فنقول : إنّا إذا وضعنا أيدينا على جسم حار يؤلمنا حره ، وكذلك إذا وضعنا أيدينا على جسم بارد آذانا برده . وأما الجسم اليابس المفرط اليبس إذا وضعنا أيدينا عليه لم يؤلمنا ، وذلك كحجر إذا وضعنا أيدينا عليه لم يؤمنا يبسه كما يؤلمنا حرارة النار وبرودة الثلج . وكذلك الشئ الندىّ الرطب إذا نحن وضعنا أيدينا عليه لم يؤثر فينا كأثر الحر والبرد . فإن قال قائل : ما بال العفص قد يخشن اليد ويقبضها ؟ فنقول إنه إنما يفعل ذلك فينا ويقوى لمكان البرد ، ولولا ذلك لم يظهر منه هذا الفعل . ونقول أيضا قولا آخر : إن الأشياء كلها لو كانت فاعلة ، كيف كان يحدث منها شئ ؟ لأن الفاعل إنما يستوجب أن يكون فاعلا لمكان المفعول . ولو كان جميع الأشياء مفعولة ، فمن أين « 1 » حدثت أشكال الحيوان وهيئتها ؟ كما أن البيت لا يكون إلّا بفاعل - الذي هو البنّاء ، ولمفعول - الذي هو الحجر والكلس ، كذلك لا تكون الأشياء إلّا من فاعل ومفعول ؛ وليس يمكن أن يكون مع الفاعل والمفعول ثالث . المسألة الثانية : ما بال الماء والنار إذا هما تلاقيا تنافرا وتضادا ، والهواء والأرض قد يماسّ أحدهما صاحبه ولا يتنافران بينهما ولا يتضادّان إذ هما متضادان ، وذلك أن الهواء حار رطب والأرض باردة يابسة ؟ - فنقول : إن النار إذا لاقت الماء أو ماسّته نافرته منافرة شديدة ؛ ولا يخلو إما أن يقهرها وإما أن تقهره . وأما الهواء والأرض وإن اختلفا وتضادّا ،
--> ( 1 ) ص : من أن .